الشيخ حسن أيوب
152
الحديث في علوم القرآن والحديث
فترك العصر حتى خرج وقته ما دام لم يصل إلى بني قريظة ، ومنهم من تأول النص وحمله على الكناية في الإسراع فصلّى حين خاف فوات الوقت من قبل أن يصل إلى بني قريظة . نقول : إن مثل هذا الخلاف حدث على عهد صاحب الرسالة وأقره ، تيسيرا على المسلمين وإعلاما بأن الإسلام دين الكافة ، يسع جميع البشر في كل العصور والأحوال ، وشهد المسلمون بعد ذلك عصرا سعيدا كان أئمة الدين فيه يختلفون فيما بينهم كثيرا ، ولكنهم كانوا بجانب هذا يتكارمون ويتعاونون ويتراحمون كثيرا . وإن كنت في شك فاسأل التاريخ عن إكرام مالك للشافعي ، واحترام الشافعي لأحمد بن حنبل ، حتى ورد أنه كان يتبرك بغسالة قميصه ، أي يتبرك الأستاذ الإمام بغسالة قميص تلميذه المخالف له في الرأي والاجتهاد ! ثم سل التاريخ عن معاونة صاحب أبي حنيفة للشافعي ، ودفعه إليه كتبه في كرم وحسن ضيافة وصدق محبة ! ولا تنس إباء مالك على الخليفة العباسي أن يحمل الناس في بلاد الإسلام كلها على موطئه ومذهبه ، ويعتذر إليه بأن الإسلام أوسع من موطئه ومذهبه ، وأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تفرقوا في البلاد ولكلّ وجهة . أرأيت هذا النبل والطهر ؟ . . أجل . . أجل ! ! ولكنك يضيق بك الأسف حين ترى بجانبه فئات من المسلمين أيضا تراشقوا بالكفر ، وتراموا بالشرك ، وتقاذفوا بالتبدّع والهوى لمجرد تأويل يستسيغه النظر ، ويتسع له صدر الاستدلال . ثم اتسع الخرق على الراقع في بعض الظروف حتى دارت معارك طاحنة بين صفوف كلها مسلمة ، وأريقت دماء ذكية كلها إسلامية ! ولا نزال نشهد من مثل هذا الصراع القائم على التنطع مشاهد ما كان أغنانا عنها ، وما كان أحرانا بالحذر منها ، خصوصا بعد ما سمعنا من الآيات ، وبعد أن أقر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أمثال هذه الخلافيات وبعد أن قال في حديث واحد ثلاث مرات : « هلك المتنطعون » وهي كلمة صغيرة ولكنها كبيرة ، تحذر وتنذر ، وتمثل الهلاك جاثما بالتنطع بأشكاله وألوانه ، في الأنفس والأعراض والأموال ، وفي الجماعات والأفراد على سواء . التفسير بالرأي وبيان ما يجوز منه وما لا يجوز المراد بالرأي هنا الاجتهاد ، فإن كان الاجتهاد موفقا ؛ أي مستندا إلى ما يجب الاستناد إليه بعيدا عن الجهالة والضلالة ، فالتفسير به محمود ، وإلا فمذموم ، والأمور التي يجب استناد الرأي إليها في التفسير نقلها السيوطي في الإتقان عن الزركشي فقال ما ملخصه :